أحمد بن محمد المقري التلمساني

4

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وتدبيرهم لتركيب الشجر ، وتحسينهم للبساتين بأنواع الخضر وصنوف الزهر ، فهم أحكم الناس لأسباب الفلاحة ، ومنهم ابن بصال صاحب « كتاب الفلاحة » الذي شهدت له التجربة بفضله ، وهم أصبر الناس على مطاولة التعب في تجويد الأعمال ومقاساة النّصب « 1 » في تحسين الصنائع ، أحذق الناس بالفروسية ، وأبصرهم بالطعن والضرب . وعدّ ، رحمه اللّه تعالى ، من فضائلهم اختراعهم للخطوط المخصوصة بهم ، قال : وكان خطّهم أولا مشرقيّا ، انتهى . قال ابن سعيد : أمّا أصول الخطّ المشرقي وما تجد له في القلب واللحظ من القبول فمسلّم له ، لكن خطّ الأندلس الذي رأيته في مصاحف ابن غطوس الذي كان بشرق الأندلس وغيره من الخطوط المنسوبة عندهم له حسن فائق ، ورونق آخذ بالعقل ، وترتيب يشهد لصاحبه بكثرة الصبر والتجويد ، انتهى . ونحو صدر كلام ابن غالب السابق مذكور في رسالة لابن حزم ، وقال فيها : إنّ أهل الأندلس صينيون في إتقان الصنائع العملية ، وإحكام المهن الصورية ، تركيّون في معاناة الحروب ، ومعالجات آلاتها « 2 » ، والنظر في مهماتها ، انتهى . وعدّ ابن غالب من فضائلهم اختراعهم للموشّحات التي قد استحسنها « 3 » أهل المشرق وصاروا ينزعون منزعها ، وأمّا نظمهم ونثرهم فلا يخفى على من وقف عليهما علوّ طبقاتهم . ثم قال ابن غالب : ولمّا نفذ قضاء اللّه تعالى على أهل الأندلس بخروج أكثرهم عنها في هذه الفتنة الأخيرة المبيرة « 4 » تفرّقوا ببلاد المغرب الأقصى من برّ العذرة مع بلاد إفريقية ، فأمّا أهل البادية فمالوا في البوادي إلى ما اعتادوه ، وداخلوا أهلها ، وشاركوهم فيها ، فاستنبطوا المياه « 5 » ، وغرسوا الأشجار ، وأحدثوا الأرحيّ « 6 » الطاحنة بالماء وغير ذلك ، وعلّموهم أشياء لم يكونوا يعلمونها ولا رأوها ، فشرفت بلادهم ، وصلحت أمورهم ، وكثرت مستغلّاتهم ، وعمّتهم الخيرات ، فهم أشبه الناس باليونانيين فيما ذكرت ولأنّ اليونانيين سكنوا الأندلس فورثوا عنهم ذلك ، وأمّا أهل الحواضر فمالوا إلى الحواضر واستوطنوها ، فأما أهل الأدب فكان منهم الوزراء والكتّاب والعمّال وجباة الأموال والمستعملون في أمور المملكة ، ولا يستعمل بلدي ما وجد أندلسي ، وأما أهل الصنائع فإنهم فاقوا أهل البلاد ، وقطعوا معاشهم ، وأخملوا

--> ( 1 ) النصب : التعب . ( 2 ) في ب : « ومعالجة آلالتها » . ( 3 ) سقطت « قد » من بعض النسخ . ( 4 ) المبيرة : المهلكة . ( 5 ) استنبطوا المياه : استخرجوها . ( 6 ) الأرحي : جمع رحى ، وهي الطاحون .